محمد الغزالي

351

فقه السيرة ( الغزالي )

عودة مهاجري الحبشة ووافق فتح ( خيبر ) قدوم ( جعفر بن أبي طالب ) ومن معه من المهاجرين إلى الحبشة . وقد سرّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أيّما سرور لمجيء هؤلاء الصحابة الكرام . إنّهم خرجوا من مكة فارّين بدينهم من الفتّان ، واليوم يعودون وأمر الإسلام يعلو ، وسلطانه يمتدّ شمالي الجزيرة وجنوبيها ، فلا خوف من غشم أو ظلم . وعندما حلوا بالمدينة قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مبتهجا : « واللّه ما أدري بأيّهما أفرح ؟ ! بفتح خيبر أم بقدوم جعفر « 1 » ؟ ! » . وجعفر وإخوانه مكثوا في الحبشة بضعة عشر عاما ، نزل خلالها قران كثير ، ودارت معارك شتّى مع الكفار ، وتقلّب المسلمون قبل الهجرة العامة وبعدها في أطوار متباينة ، حتى ظنّ البعض أنّ مهاجري الحبشة - وقد فاتهم هذا كله - أنزل قدرا من غيرهم ، فعن أبي موسى الأشعري : « . . كان أناس يقولون لنا : سبقناكم بالهجرة ، ودخلت أسماء بنت عميس على حفصة زوج النبي صلى اللّه عليه وسلم زائرة - وكانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر - فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها ، فقال حين رأى أسماء : من هذه ؟ قالت : أسماء بنت عميس . قال عمر : الحبشية هذه ؟ البحرية هذه ؟ قالت أسماء : نعم ! قال عمر : سبقناكم بالهجرة ، فنحن أحقّ برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منكم ! فغضبت وقالت : كلا واللّه ! كنتم مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يطعم جائعكم ، ويعظ جاهلكم . وكنّا في أرض البعداء البغضاء بالحبشة ! وذلك في اللّه

--> ( 1 ) حديث حسن ، أخرجه الحاكم : 4 / 211 ؛ والطبراني في الكبير ، عن الشعبي مرسلا ، وسنده صحيح ، وقد وصله الحاكم من طريق أخرى عن الشعبي عن جابر ، وفي سنده ضعف ، ولذلك قال الذهبيّ في ( التلخيص ) : « الصواب مرسل » ، وله طريق اخر ، رواه البيهقيّ ، كما في ( البداية ) : 4 / 206 ، من طريق أبي الزبير عن جابر ، وفي سنده من لا يعرف ، وله شاهد من حديث أبي جحيفة ، أخرجه الطبراني في ( المعجم الصغير ) ، ص 8 ، وسنده ضعيف ؛ لكن أخرجه في الكبير من طريق اخر ، كما يستفاد من ( المجمع ) : 9 / 272 . وبالجملة فالحديث قويّ بهذه الطرق ، وقد صحّحه الحاكم .